أحمد بن سهل البلخي

528

مصالح الأبدان والأنفس

هذا المعنى رقّ قلبه ، ولانت قساوته ، وسكن تمرّحه « 1 » ، وعطفته عاطفة الرحمة على من يريد الانتقام منه . فهذه أيضا فكرة نافعة في كفّ عادية الغضب ، وتسكين هائجه . ومنها أن يفكّر في أنّه لا يكاد يعاقب باب من أبواب الإساءة والتقصير أو ركوب شهوة أو الإخلال بواجب ، إلا هو إذا رجع إلى نفسه وجد فيها من ذلك النوع الذي ينكره أشياء لو كان فوقه من يتفقّدها منه ، ويستقصي فيها عليه ، لناله مثل ما يريد أن يتناول منه من هو تحت يديه ، فلا يرضى مع تفكيره في ذلك من نفسه بأن يشتدّ تغيّظه من أمر هو شريك لغيره فيه ، ويستحقّ من رئيس - إن كان له - الشبيه بما يريد أن يحلّه بمن هو دونه ؛ فإنّ ذلك أمر خارج من باب العدل والإنصاف ، وهو المعنى الذي إذا فكّر فيه من يحسّ من نفسه حركة الغضب / أعانه على كفّ عزّته ، وقمعه . وممّا يحتال به لقمع سورة الغضب أن يذكّر نفسه إن كان المغضوب عليه متحرّما « 2 » به ، وسبيله حرمته وخدمته وما سلف من أحوالهما ، وإحماؤه آثارا - إن كانت له فيهما - ليعطّفه ذلك عليه ، ويسكّن من قوّة غضبه ، إذ كان من الواجب أن يشفع بسالف الإحسان لسالف الإساءة ، لا سيّما إذا ضافت « 3 » تلك الحرمة طبعا كريما ، ونفسا حرّة . ثمّ ممّا يحتال لكفّ عادية الغضب ألا يقع بصره على من أغضبه ؛ فإنّ نظره إليه مما يزيده استشاطة عليه ، بل الأفضل في حسم مادّة الغضب أن ينحّيه عن وجهه ، ويتربّص بمعاقبته مدّة ؛ فإنّ مرور الأيّام بكلّ شيء ممّا يخلقه ، ويوهن

--> ( 1 ) المرح : شدة الفرح أو النشاط ، والعجب والاختيال ( المعجم الوسيط م ر ح 2 / 861 ) . ( 2 ) تحرّم فلان بفلان : عاشره ومالحه ، وتأكدت الحرمة بينهما ( المعجم الوسيط ح ر م 1 / 169 ) . ( 3 ) في أ ، ب : ضاقت . والصواب ما أثبت .